القواعد العسكرية الجوية الأردنية: ذاكرة المكان وتطور سلاح الجو من الثورة العربية الكبرى إلى الحرب على الإرهاب والحرب الأمريكية–الإيرانية

0

القواعد العسكرية الجوية الأردنية: ذاكرة المكان وتطور سلاح الجو من الثورة العربية الكبرى إلى الحرب على الإرهاب والحرب الأمريكية–الإيرانية

العميد المتقاعد الدكتور سعود الشَرَفات

مدير مركز شُرُفات لدراسات وبحوث العولمة والإرهاب – عمّان، الأردن

مقدمة

القواعد العسكرية الجوية الأردنية ليست مجرد منشآت لإيواء الجنود والطائرات وانطلاقها، بل هي جزء من ذاكرة الدولة الأردنية وتاريخ نشأتها وتطور سيادتها وأمنها الوطني. وتمتد جذور هذا التاريخ إلى مرحلة الثورة العربية الكبرى والحرب العالمية الأولى، حين ارتبطت حركة القوات والطيران بالتراب الأردني في سياق التحولات العسكرية والجيوسياسية الواسعة والعميقة التي شهدها الشرق الأوسط، ثم تطورت خلال الحرب العالمية الثانية وما بعدها، وصولاً إلى نشأة سلاح الجو الملكي الأردني وتبلور دوره في حماية المملكة ومجالها الجوي وحدودها. ومن ثم، فإن تاريخ القواعد الجوية هو في جانب أساسي منه تاريخ لتحول الأردن من ساحة تتقاطع فيها الصراعات الإقليمية والدولية إلى دولة تمتلك مؤسساتها وقدراتها الدفاعية وتدير أمنها وسيادتها بقرار وطني.

وتستعيد هذه الوظيفة معناها بصورة أكثر إلحاحاً في ظل الحرب الأمريكية–الإيرانية التي اندلعت في 28 شباط/فبراير 2026، والتصعيد الإيراني الذي امتد إلى الأراضي الأردنية واستهدف منشآت وقواعد عسكرية في المملكة بذريعة استهداف الوجود العسكري الأمريكي فيها. وقد أكدت القوات المسلحة الأردنية تعاملها مع الصواريخ التي اخترقت المجال الجوي للمملكة، بما يؤكد أن حماية الأجواء الأردنية تظل، قبل أي اعتبار آخر، مسؤولية سيادية أردنية.

وفي هذه اللحظة تستعيد أسماء الشهداء الأردنيين فراس العجلوني وموفق السلطي ومعاذ الكساسبة مكانتها في الذاكرة الوطنية الأردنية لا باعتبارهم شهداء سلاح الجو فحسب، بل بوصفهم تجسيداً لوظيفته التاريخية. قاتل العجلوني والسلطي إسرائيل، وواجه الكساسبة تنظيم داعش، فكان سلاحهم موجهاً إلى عدو أو تهديد، لا إلى دولة عربية أو إسلامية أو دولة صديقة كما يفعل الحرس الثوري الإيراني عندما يستهدف القواعد العسكرية الأردنية.  ومن هنا تبدو القاعدة الجوية الأردنية أكثر من موقع عسكري؛ إنها سياج متقدم لحماية الوطن وحدوده وسيادته واحترام تحالفاته السياسية والعسكرية.

وعلى هذا الأساس، فإن وجود قوات أمريكية في بعض القواعد الأردنية، في إطار التعاون الدفاعي بين البلدين، لا يغيّر طبيعتها السيادية ولا يعيد تعريفها خارج إطار الدولة الأردنية. فالأردن، وهو حليف للولايات المتحدة، لا ينظر إلى هذا التحالف من زاوية الصراع بين واشنطن وطهران، وإنما بعيون وقلوب أردنية، تقيس التحالف والتعاون بما يخدم أمن المملكة وسيادتها ومصالحها الوطنية.

من المهابط الأولى إلى نشوء سلاح الجو الأردني

ظهر الطيران العسكري في سماء الأردن قبل ظهور سلاح الجو الملكي الأردني نفسه. وخلال الحرب العالمية الأولى استخدمت القوات البريطانية والحليفة مهابط مختلفة في المنطقة للهبوط والاستطلاع ودعم العمليات العسكرية. وأسهمت الرحلات الجوية المبكرة في تطوير معرفة جغرافية واسعة بالبادية الأردنية، من خلال الاستطلاع والتصوير الجوي ورسم الخرائط ومراقبة طرق الصحراء وامتداداتها.

وتقدم أعمال المؤرخين ديفيد كينيدي وروبرت بيوْلي، ولا سيما كتابهما Ancient Jordan from the Air، صورة مهمة عن العلاقة المبكرة بين الطيران والجغرافيا الأردنية. ولم تكن هذه العلاقة عسكرية بحتة، إذ تداخل فيها الاستطلاع الجوي مع رسم الخرائط والاتصالات والنقل وإدارة المجال الصحراوي.

وفي منطقة الأزرق تحديداً، ارتبطت المرحلة الأخيرة من الثورة العربية الكبرى باستخدام الطيران والمهابط الصحراوية خلال تقدم قوات الثورة شمالاً في 1917–1918. وتشير الأدبيات التاريخية إلى استخدام منطقة جنوب غربي برك الأزرق مهبطاً للطائرات في تلك المرحلة، وهو المكان الذي اكتسب لاحقاً أهمية كبيرة في تاريخ الطيران العسكري الأردني.

لكن نشوء الطيران الأردني الوطني جاء في مرحلة لاحقة. فبحسب المصادر التاريخية للقوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، برزت الحاجة إلى إنشاء قدرة جوية أردنية خلال حرب فلسطين عام 1948، في وقت لم يكن فيه للأردن سلاح جو مستقل. وفي 22 تموز/يوليو 1948 بدأ تدريب طيارين أردنيين، ثم أصبح لدى الأردن عدد من الطيارين في ماركا عام 1951، قبل أن يتأسس سلاح الجو الملكي الأردني رسمياً في 25 أيلول/سبتمبر 1955.

لقد كانت البداية متواضعة من حيث عدد الطائرات والإمكانات، إذ ارتبطت أساساً بالاستطلاع والنقل والتدريب، لكنها بالرغم من ذلك شكلت تحولاً استراتيجياً مهماً: فقد بدأ الأردن للمرة الأولى في تاريخه الحديث بناء قدرة جوية وطنية مستقلة، قادرة على التطور وفق احتياجات الدولة الأمنية والعسكرية.

قاعدة ماركا: مهد سلاح الجو الأردني

إذا كان لا بد من اختيار مكان واحد يرمز إلى ولادة سلاح الجو الأردني، فإن ماركا هي المكان الطبيعي لذلك. لقد كانت ماركا جزءاً من البنية الجوية البريطانية في شرق الأردن خلال فترة الانتداب، ثم أصبحت المركز الذي تبلورت فيه النواة الأولى لسلاح الجو الوطني. كما شهد مطار ماركا في السنوات الأولى للدولة الأردنية أحداثاً رمزية مهمة؛ فقد أقيم فيه الاستعراض العسكري بمناسبة الاستقلال عام 1946، وحمل المطار لاحقاً اسم قاعدة الملك عبدالله الأول الجوية.

ومن ماركا خرجت النواة الأولى للطيارين الأردنيين، ومنها بدأت الأسراب الأولى، ثم تطورت القاعدة مع تطور سلاح الجو نفسه. وفي عام 1954 افتتح المرحوم جلالة الملك الحسين بن طلال مدرجاً جديداً في المطار، وأصبحت ماركا لاحقاً مركزاً مهماً للنقل الجوي والإسناد والطيران العسكري.

وتكمن القيمة التاريخية لماركا في أنها تجسد انتقال سلاح الجو الأردني من مرحلة الارتباط بالبنية الجوية البريطانية إلى بناء مؤسسة جوية وطنية. ومنها يمكن تتبع المسار الذي قطعه سلاح الجو الأردني لاحقاً: من طائرات الاستطلاع والنقل والتدريب إلى المقاتلات، ومن القدرات المحدودة إلى مؤسسة متخصصة تضم الطيارين والفنيين والمدربين وأطقم الصيانة وعمليات النقل والإنقاذ والإسناد.

قاعدة المفرق: من القاعدة البريطانية إلى قاعدة الشهداء

تمثل قاعدة المفرق مرحلة أخرى أساسية في تاريخ سلاح الجو الأردني، إذ ارتبطت منذ عشرينيات القرن العشرين بالبنية الجوية البريطانية في المنطقة. حيث ساعد الموقع الجغرافي للمفرق واتساع أراضيها وانبساطها وقربها من الحدود السورية والعراقية والسعودية على تطور استخدام المنطقة للطيران. وتطورت المنشآت الجوية هناك خلال فترة الانتداب، ثم انتقلت تدريجياً إلى السيطرة الأردنية. وتشير المصادر التاريخية إلى توسعة مهمة للقاعدة عام 1951 وإنشاء مدرج خرساني، قبل انتقالها إلى السلطات الأردنية عام 1957. وفي عام 1959 حملت القاعدة اسم قاعدة الملك الحسين الجوية، وانتقلت إليها أسراب مقاتلة أردنية، ثم أخذ دورها يتطور من قاعدة عملياتية إلى مركز رئيسي للتدريب والتعليم الجوي، قبل أن ترتبط لاحقاً بكلية الملك الحسين الجوية.

ويرتبط اسم قاعدة المفرق كذلك بواحدة من أعمق صفحات الذاكرة القتالية لسلاح الجو الأردني؛ ففي الخامس من حزيران/يونيو 1967، وفي اليوم الأول لحرب حزيران، استشهد الرائد الطيار فراس العجلوني في قاعدة الملك الحسين الجوية بالمفرق بعد عودته من طلعة قتالية ضد أهداف إسرائيلية.

كان العجلوني واحداً من أبرز رموز الطيارين الأردنيين في حرب 1967، وقد ارتبط استشهاده بواحدة من أكثر اللحظات دلالة في تاريخ سلاح الجو الأردني: طيار أقلع للقتال ضد القوات الإسرائيلية، وعاد إلى قاعدته ليستشهد فيها قبل أن يتمكن من مواصلة مهمته القتالية.

ولهذا لا يمثل العجلوني مجرد اسم في سجل شهداء سلاح الجو الأردني، بل يمثل معنى المكان نفسه: مدرجاً أقلع منه الطيار الأردني للقتال، وعاد إليه ليستشهد تحت قصف العدو الذي كان يواجهه. لقد كان الجيل الذي ينتمي إليه يعرف بوضوح موقع العدو وموقع الوطن، وحمل سلاحه في مواجهة القوات الإسرائيلية، دفاعاً عن الأردن وإسناداً لمعركة فلسطين، لا في مواجهة أشقائه العرب والمسلمين.

ومن هنا تكتسب قاعدة المفرق قيمتها في الذاكرة الأردنية؛ فهي ليست مجرد منشأة عسكرية، وإنما مكان ارتبط بتضحية جيل من الطيارين الأردنيين الذين خاضوا الحروب في زمن كانت فيه فلسطين في قلب الصراع العربي–الإسرائيلي.

وفي عام 1978 ارتبطت المفرق بتأسيس كلية الملك الحسين الجوية، لتصبح المؤسسة التي ارتبط بها إعداد أجيال متعاقبة من الطيارين الأردنيين. ولذلك تختصر المفرق جانباً مهماً من تاريخ سلاح الجو: فهي كانت قاعدة عملياتية في مرحلة من مراحل الصراع الإقليمي، ثم أصبحت مؤسسة تعليمية وتدريبية أساسية في بناء رأس المال البشري للسلاح.

قاعدة الصفاوي وH5: قصة مهبط سبق القاعدة

تقدم منطقة H5/الصفاوي مثالاً واضحاً على أهمية التمييز بين تاريخ المهبط وتاريخ القاعدة الجوية التي نشأت لاحقاً. فالدراسة الأكاديمية الحديثة Colonial-industrial heritage in Jordan: The case of the As-Safawi H5 pumping station، المنشورة في مجلة Levant عام 2026، توثق أن القوات الجوية الملكية البريطانية أنشأت عام 1921 مهبطاً صلباً للطائرات إلى الجنوب الشرقي من المكان الذي أقيمت فيه لاحقاً محطة ضخ النفط H5 المرتبطة بخط أنابيب النفط البريطاني القادم من العراق.

وكان هذا المهبط جزءاً من خط البريد الجوي القاهرة–عمان–بغداد الذي شغلته القوات الجوية الملكية البريطانية حتى عام 1926، قبل انتقال الخدمة إلى شركة Imperial Airways. وتكشف هذه القصة عن تداخل مبكر بين الطيران والنقل والطاقة وإدارة البادية الأردنية، كما تشير الدراسة إلى أن وجود المهبط كان أحد العوامل التي ساهمت في اختيار المنطقة لإنشاء محطة الضخ لاحقاً. وقد تطور المكان عبر مراحل مختلفة، وتحول الموقع لاحقاً إلى قاعدة جوية عسكرية أردنية عام 1969، لتصبح قاعدة الأمير حسن الجوية جزءاً من البنية الحديثة لسلاح الجو الأردني.

وهنا تكمن أهمية قصة الصفاوي: فهي تذكرنا بأن بعض القواعد الجوية الأردنية لم تبدأ بالضرورة كقواعد عسكرية بالمعنى الحديث، وإنما نشأت فوق طبقات تاريخية متراكمة من المهابط والطرق والمنشآت التي خدمت في الأصل أغراضاً عسكرية ومدنية واقتصادية متداخلة. كلها كانت ضمن فهم الدولة الواقعي لمصالح الأردن بما يحافظ على سيادته المطلقة وأمنه الوطني.  

قاعدة الأزرق: من ذاكرة الثورة العربية الكبرى إلى قاعدة الشهيد موفق السلطي

تختلف قصة قاعدة الأزرق عن الصفاوي في أن المنطقة نفسها ارتبطت بالطيران خلال الثورة العربية الكبرى، قبل أن تتحول بعد عقود إلى واحدة من أهم قواعد سلاح الجو الأردني. كان الأزرق يتمتع بمزايا استراتيجية واضحة: مساحة صحراوية مفتوحة، مجال رؤية واسع، وموقع يربط طرقاً تاريخية بين بلاد الشام والعراق وشبه الجزيرة العربية والبادية الأردنية. ولذلك استخدمت المنطقة في مرحلة مبكرة كمكان لهبوط الطائرات خلال المرحلة الأخيرة من الثورة العربية الكبرى.

لكن القاعدة الجوية الحديثة في الأزرق تنتمي إلى تاريخ مختلف. ففي سبعينيات القرن العشرين اتخذ الأردن قراراً بتطوير قاعدة جوية كبيرة هناك، وبدأ إنشاء قاعدة حديثة عام 1976، ثم انتقلت إليها أسراب مقاتلة في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، وافتتحت رسمياً في 24 أيار/مايو 1981.

وحملت القاعدة اسم قاعدة موفق السلطي الجوية تخليداً للطيار الأردني موفق السلطي، الذي استشهد خلال المواجهة مع القوات الجوية الإسرائيلية في معركة السموع في 13 تشرين الثاني/نوفمبر 1966.

ومنذ ذلك الحين أصبحت قاعدة موفق السلطي أحد الأركان الرئيسية في بنية سلاح الجو الأردني، كما تكشف قصتها كيف يمكن للمكان نفسه أن يحمل طبقات متعاقبة من التاريخ: مهبطاً للطائرات في زمن الثورة العربية الكبرى، ثم قاعدة جوية أردنية حديثة للمقاتلات، ثم منشأة ارتبط اسمها على المستوى الدولي بالحرب على تنظيم داعش الإرهابي.

بعد عام 2014، شارك سلاح الجو الملكي الأردني في عمليات التحالف الدولي ضد تنظيم داعش، وأصبحت قاعدة موفق السلطي مرتبطة بهذه المرحلة من تاريخ الأردن العسكري. وفي قلب هذه الحرب جاءت عملية الشهيد الطيار الأردني معاذ الكساسبة، الذي أسقطت طائرته أثناء مشاركته في عمليات التحالف في سوريا في كانون الأول/ديسمبر 2014، ثم وقع أسيراً لدى تنظيم داعش الإرهابي قبل أن يعدمه التنظيم حرقاً في جريمة بشعة هزت الأردن والعالم.

وهكذا انتقلت قاعدة الأزرق مرة أخرى بين وظائف مختلفة، من الحرب التقليدية إلى الحرب على الإرهاب، وصولاً إلى دورها في البيئة الأمنية الجديدة التي فرضتها الصواريخ والمسيّرات والحرب الإقليمية الراهنة.

قاعدة الملك فيصل والجفر: العمق الجغرافي لسلاح الجو

تمثل قاعدة الملك فيصل الجوية في الجفر جانباً آخر من تطور البنية الجوية الأردنية. فالموقع الصحراوي الواسع جنوب المملكة وفر مساحة مناسبة للتدريب والانتشار والعمل بعيداً عن المناطق السكانية المكتظة. وأصبح الجفر جزءاً من شبكة القواعد الجوية الأردنية الحديثة، كما يظهر اسمه ضمن المنشآت الجوية الواردة في بيانات الطيران المدني الأردني، وكذلك ضمن المرافق والمناطق المتفق عليها في اتفاقية التعاون الدفاعي الأردنية–الأمريكية لعام 2021.

ولا تكمن أهمية الجفر في مساحته وموقعه فقط، بل في أنه يعكس انتقال سلاح الجو الأردني من الاعتماد على عدد محدود من القواعد إلى شبكة أوسع تسمح بالتدريب والانتشار والإسناد. وفي دولة محدودة المساحة نسبياً مثل الأردن، يصبح توزيع القواعد والمنشآت العسكرية جزءاً من مفهوم البقاء العملياتي؛ إذ إن القدرة على الانتشار وإعادة توزيع الطائرات والموارد يمكن أن تكون عاملاً لا يقل أهمية عن نوع الطائرة نفسها.

قاعدة الملك عبد الله الثاني والجيل الجديد من المهام

مع نهاية القرن العشرين ودخول الأردن مرحلة جديدة من التطوير العسكري، ظهرت منشآت جوية تعكس تحول طبيعة المهام. ومن أبرزها قاعدة الملك عبد الله الثاني الجوية التي افتتحت في نهاية عام 1999. ومع هذه المرحلة اتسعت وظائف سلاح الجو الأردني لتشمل الطيران العمودي والنقل والاستطلاع والمراقبة والطائرات غير المأهولة والإسناد للقوات البرية، إلى جانب المهام القتالية التقليدية. ولم يكن هذا التحول مجرد تحديث تقني؛ فقد تغيرت طبيعة التهديدات التي تواجه الأردن. فلم تعد الطائرة المقاتلة التي تعبر الحدود هي التهديد الجوي الوحيد، بل ظهرت تحديات التسلل والتهريب والإرهاب والطائرات المسيّرة والحاجة إلى المراقبة المستمرة للحدود. ولهذا أصبح سلاح الجو جزءاً من منظومة أمن وطني أوسع، تعمل فيها الطائرات والمروحيات والطائرات غير المأهولة والرادارات ومراكز القيادة والسيطرة بالتكامل مع القوات البرية وحرس الحدود والأجهزة الأمنية.

ومنذ مطلع القرن الحادي والعشرين عزز سلاح الجو قدراته في مراقبة الحدود باستخدام طائرات ومروحيات وأنظمة أكثر تطوراً، فأصبح شريكاً أساسياً في مراقبة الحدود ومواجهة التهريب والتسلل والإرهاب، بما في ذلك تهريب المخدرات، وليس مجرد قوة مخصصة للحرب الجوية التقليدية.

من الحروب العربية–الإسرائيلية إلى إعادة تعريف وظيفة سلاح الجو

كانت الحروب العربية–الإسرائيلية منذ عام 1948 المدرسة العملياتية الأساسية التي دفعت سلاح الجو الأردني إلى تطوير قدراته. فقد كانت قدراته في بداياته محدودة، في وقت كان الصراع الإقليمي يتجه بصورة متزايدة نحو الاعتماد على المقاتلات والرادار والإنذار المبكر والقيادة والسيطرة.

وبعد حرب 1973 دخل سلاح الجو الأردني مرحلة واسعة من التحديث، شملت إدخال مقاتلات مثل Mirage F1 وF-5، وتوسيع البنية التحتية الجوية وإنشاء قواعد أكثر قدرة على استيعاب الطائرات الحديثة. وكانت هذه المرحلة جزءاً من عملية تحديث أوسع امتدت من منتصف السبعينيات إلى منتصف الثمانينيات. ومع هذا التطور تغير مفهوم القاعدة الجوية نفسها. فلم تعد مجرد مكان تقلع منه الطائرات وتهبط فيه، بل أصبحت عقدة داخل منظومة متكاملة تشمل الطيارين والتدريب والصيانة والقيادة والسيطرة والاستطلاع والإنذار والدعم اللوجستي.

وهذه النقلة مهمة لفهم القواعد الأردنية الحديثة، لأن قيمة القاعدة لا تقاس فقط بعدد الطائرات الموجودة فيها، وإنما بموقعها داخل شبكة سلاح الجو وقدرتها على دعم العمليات والتدريب والانتشار والاستجابة للتهديدات.

من مكافحة الإرهاب إلى حماية المجال الجوي الأردني

كانت الحرب على تنظيم داعش الإرهابي مرحلة مفصلية في إعادة تعريف الدور الخارجي لسلاح الجو الأردني. فالأردن أصبح بعد عام 2014 جزءاً من تحالف دولي يستخدم القوة الجوية ضد تنظيم إرهابي عابر للحدود، وشارك سلاح الجو الملكي الأردني في عمليات قتالية واستطلاعية خارج الحدود خاصة بعد استشهاد الطيار معاذ الكساسبة.

وفي الوقت نفسه حافظت القواعد الجوية الأردنية على وظائفها الوطنية الأساسية: الدفاع عن المجال الجوي، والتدريب، والنقل، والاستطلاع، ومراقبة الحدود.

لكن البيئة الأمنية الإقليمية تغيرت مرة أخرى مع الحرب الأمريكية–الإيرانية. فالقواعد الجوية الأردنية تواجه اليوم تحدياً مختلفاً: حماية المجال الجوي الأردني من آثار صراع إقليمي لا يخوضه الأردن باعتباره طرفاً مباشراً فيه، مع وجود قوات أمريكية في المملكة في إطار التعاون الدفاعي بين البلدين.

وهنا انتقلت وظيفة القواعد العسكرية وسلاح الجو من مواجهة التهديدات التقليدية إلى التعامل مع مزيج أكثر  خطورة وتعقيداً من الصواريخ والمسيّرات والتهديدات المتخطّية للحدود.

القواعد الأردنية والحرب الأمريكية–الإيرانية: بين سؤال الوجود الأمريكي والسيادة الأردنية

منذ اندلاع الحرب الأمريكية–الإيرانية في 28 شباط/فبراير 2026، أصبح الموقع الجيوسياسي للأردن أكثر  خطورة وحساسية، خصوصاً في ظل الوجود العسكري الأمريكي في المملكة وعلاقات التعاون الدفاعي الطويلة بين عمّان وواشنطن.

وتصاعدت حساسية المسألة مع إعلان إيران خلال أواخر آب/أغسطس وبداية أيلول/سبتمبر 2026 استهداف قوات ومرافق عسكرية أمريكية في الأردن. وفي 30 آب/أغسطس أعلن الحرس الثوري الإيراني شن هجمات بصواريخ باليستية على ما وصفهما بـقاعدتين أمريكيتين في الأردن، وسمّت البيانات الإيرانية قاعدة الملك الحسين والأزرق. ومثل هذه الادعاءات يجب أن تبقى، في القراءة الموضوعية، منسوبة إلى الجهة التي أعلنتها، ولا تتحول تلقائياً إلى إثبات مستقل لصدق الادعاءات الإيرانية ودعاياتها المضللة، أو لطبيعة الأهداف أو نتائج الهجمات. غير أن هذه التطورات أعادت أيضاً إلى الداخل الأردني نقاشاً حساساً وواسعاً حول طبيعة القواعد والمنشآت التي تستخدمها القوات الأمريكية، وما إذا كان وجود هذه القوات يجعل تلك القواعد أمريكية.

وهنا ينبغي الفصل بوضوح بين الاستخدام العسكري والسيادة. فالاتفاقية الأردنية–الأمريكية للتعاون الدفاعي، الموقعة في عمّان في 31 كانون الثاني/يناير 2021 والنافذة منذ 17 آذار/مارس 2021، تحدد ما يسمى “المرافق والمناطق المتفق” عليها التي يمكن للقوات الأمريكية استخدامها في إطار التعاون الدفاعي بين البلدين. ولا يعني ذلك، من حيث المبدأ القانوني، انتقال سيادة هذه المنشآت إلى الولايات المتحدة أو تحولها إلى أراضٍ أمريكية.

وأعتقد؛ بأن هذه نقطة جوهرية في فهم الحرب الحالية والجدل حول القواعد الأردنية. فمن الصحيح أن هناك وجوداً عسكرياً أمريكياً واستخداماً أمريكياً لمنشآت عسكرية أردنية بموجب تعاون أمنى عسكري واتفاق ثنائي كممارسة سيادية تقوم بها كل الدول المستقلة في العالم. ومن الصحيح أيضاً أن هذا الاستخدام يجعل بعض المنشآت حاضرة في الحسابات العسكرية للخصوم. لكن وصفها ببساطة بأنها قواعد أمريكية ما هو إلا زيف وادعاء مضلل إذا كان المقصود به نفي الصفة الأردنية أو السيادة الأردنية عنها. وفي المقابل، فإن إنكار الوجود العسكري الأمريكي أو الدور الذي تؤديه بعض المنشآت الأردنية في التعاون العسكري الأمريكي سيكون غير دقيق بالقدر نفسه.

وأرى بان الصياغة الأكثر موضوعية هي أن هذه قواعد ومنشآت أردنية ذات سيادة أردنية كاملة تتيح اتفاقية التعاون الدفاعي استخداماً عسكرياً أمريكياً لها في إطار علاقة دفاعية ثنائية وبموافقة الأردن.

وهذا التمييز لا يحسم كل الأسئلة السياسية والاستراتيجية المتعلقة بالوجود الأمريكي، لكنه يمنع الخلط بين مفهومين مختلفين: ملكية الدولة وسيادتها من جهة، واستخدام قوة عسكرية أجنبية لمنشآت الدولة في إطار اتفاق ثنائي من جهة أخرى.

ومن هنا تضع الحرب الأمريكية–الإيرانية القواعد الجوية الأردنية أمام معادلة لم تكن بهذه الصورة في تاريخها: فهي في الوقت نفسه أدوات للسيادة الوطنية، ومنشآت للتعاون الدفاعي مع قوة عظمى، وأهداف محتملة لصراع إقليمي لا يريد الأردن أن يكون طرفاً فيه. وهذا يفسر أيضاً الأهمية المتزايدة للقواعد العسكرية ولسلاح الجو الأردني. فالمسألة لم تعد حماية القواعد والطائرات فقط، وإنما حماية المجال الجوي للدولة ومنع امتداد الحرب إلى الأراضي الأردنية، مع الحفاظ على قدرة الأردن على إدارة علاقاته الدفاعية وفق مصالحه الوطنية.

القواعد العسكرية الجوية بوصفها ذاكرة استراتيجية للأردن

إنّ قراءة تاريخ القواعد الجوية الأردنية ليست قراءةً لتاريخ منشآت عسكرية فحسب، وإنما هي قراءة لمسار تشكّل القوة الجوية الأردنية بشكل عام وتطور الدولة ومفهومها للأمن الوطني والسيادة. فكل قاعدة من هذه القواعد نشأت في سياق تاريخي وأمني محدد، ثم تطورت وظائفها وأدوارها مع تغير طبيعة التهديدات وتبدل احتياجات الدولة الدفاعية. ولذلك يمكن النظر إلى هذه القواعد باعتبارها سجلاً مادياً لتحولات استراتيجية امتدت على مدى عقود: من حماية المجال الجوي في المراحل الأولى من تأسيس الدولة، إلى خوض الحروب والصراعات الإقليمية، ثم إلى بناء قدرات الردع والدفاع الجوي، وصولاً إلى أدوار أكثر تعقيداً فرضتها بيئة الإرهاب والحروب غير التقليدية والتهديدات العابرة للحدود. ومن هذه الزاوية، تصبح القاعدة الجوية أكثر من مدرج وحظائر وطائرات؛ إنها جزء من الذاكرة الاستراتيجية للدولة الأردنية، وشاهد على كيفية تطور قدرتها على حماية سيادتها ومصالحها الوطنية.

في قاعدة ماركا بدأت النواة الأولى لسلاح الجو الوطني. وفي المفرق انتقل الطيران من البنية الجوية البريطانية إلى مؤسسة أردنية أصبحت لاحقاً مركزاً أساسياً لتدريب الطيارين. وفي الصفاوي تداخل الطيران مع البريد الجوي والنفط وإدارة الصحراء، قبل أن يتحول الموقع لاحقاً إلى قاعدة جوية أردنية. وفي الأزرق تتجاور ذاكرة الثورة العربية الكبرى مع قاعدة حديثة ارتبطت بالحرب على الإرهاب، ثم أصبحت جزءاً من الحسابات الأمنية والعسكرية المرتبطة بالحرب الأمريكية–الإيرانية. وفي الجفر اتسعت جغرافيا الانتشار والتدريب، بينما عكست القواعد الأحدث انتقال سلاح الجو إلى عصر الاستطلاع والمراقبة والطائرات العمودية وغير المأهولة والعمليات المشتركة. وهكذا فإن القاعدة الجوية الأردنية ليست مجرد مكان أو مهاجع للطائرات، بل عقدة في شبكة عسكرية وأمنية أوسع، وذاكرة مكان تختزن التحولات الجيوسياسية والعسكرية التي مرت بها الدولة منذ تأسيسها 1921م.

لقد بدأ الأردن بطيران محدود ارتبط بالتدريب والمراقبة والنقل، ثم بنى سلاح جو وطنياً، وخاض معه مراحل الصراع العربي–الإسرائيلي، وطوّر قدراته الجوية، ثم دخل الحرب الدولية على الإرهاب، ووسع استخدام الطيران في مراقبة الحدود والاستطلاع ومكافحة التهريب والتسلل، قبل أن يجد نفسه في بيئة أمنية جديدة تتجاوز الحرب التقليدية إلى الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والحرب متعددة الساحات.

ولذلك فإن تاريخ القواعد الجوية الأردنية لا ينتهي عند المدرج أو الحظيرة أو السرب الموجود فيها. إنه تاريخ الطريقة التي أعاد بها الأردن بناء قدرته العسكرية وتكييف تحالفاته الأمنية كلما تغيرت طبيعة المخاطر من حوله. ومن ماركا إلى المفرق، ومن الصفاوي إلى الأزرق والجفر، تختزن هذه القواعد قرناً تقريباً من التحولات: من الطيران البريطاني والمهابط الصحراوية إلى سلاح الجو الوطني، ومن الحروب التقليدية إلى الحرب على الإرهاب، ومن مواجهة الطائرات إلى مواجهة الصواريخ والمسيّرات.

خاتمة

تكشف ذاكرة القواعد العسكرية الجوية الأردنية عن استمرارية تتجاوز تغير الحروب والتهديدات: من الحرب العالمية الأولى الى الثورة العربية الكبرى الى الحروب مع إسرائيل إلى الحرب على الإرهاب العالمي ، ظل جوهر وظيفتها حماية الأردن ومجاله الجوي وحدوده وسيادته. وفي هذه الذاكرة يلتقي شهداء الواجب، فراس العجلوني وموفق السلطي ومعاذ الكساسبة، رغم اختلاف أزمنتهم وميادين قتالهم، باعتبارهم رموزاً لجيل من الطيارين الأردنيين الذين استشهدوا في مواجهة عدو أو تهديد، ولم يجعلوا منه أداة ضد دولة عربية أو إسلامية أو دولة صديقة كما يفعل الحرس الثوري الإيراني حالياً.

واليوم، فيما تتعرض القواعد والمنشآت العسكرية الأردنية للاستهداف الإيراني في سياق الحرب الأمريكية–الإيرانية، تكتسب هذه الحقيقة بعداً جديداً. فوجود قوات أمريكية على أراضٍ أردنية بموجب اتفاقية التعاون الدفاعي لا ينقل السيادة على القواعد إلى الولايات المتحدة، كما أن استهدافها بسبب ذلك لا يحولها إلى أراضٍ أمريكية. إنها منشآت أردنية تحت السيادة الأردنية، وتبقى حماية أجوائها وأمنها مسؤولية الدولة الأردنية.

وهنا تكمن دلالة القواعد الجوية في اللحظة الراهنة: فهي في آن واحد ذاكرة للتضحية، وأداة للسيادة، ومكوّن من مكونات التعاون الدفاعي مع الحلفاء. ولذلك لا ينبغي اختزالها في ثنائية أردنية أو أمريكية؛ فالمعيار الحاسم هو السيادة الأردنية التي تحدد طبيعة استخدامها، والتحالف الأردني الذي تحدد عمّان أهدافه وحدوده ومصالحه.

وكما دافع العجلوني والسلطي والكساسبة، كل في زمانه، عن الأردن في مواجهة التهديد الذي واجهه، فإن مهمة القواعد الجوية الأردنية اليوم تظل حماية الأردن أولاً. أما التحالف مع الولايات المتحدة، فعميق واستراتيجي، لكنه يُفهم ويُدار من منظور المصلحة الوطنية الأردنية: الأردن ينظر إلى تحالفه مع واشنطن بعيون أردنية، لا بعيون طهران ولا بعيون أي طرف آخر.

مراجع المقال الأولية

– القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، الموسوعة التاريخية للقوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، والمواد التاريخية المتعلقة بنشأة وتطور سلاح الجو الملكي الأردني والقواعد الجوية.

– سلاح الجو الملكي الأردني، المواد الرسمية المتعلقة بتاريخ السلاح وقواعده وشهدائه وتطوره العملياتي.

– Kennedy, D., & Bewley, R. (2004). Ancient Jordan from the Air. Council for British Research in the Levant.

– Mubaideen, S., Bates, D., Winterburn, J. B., Al-Manaseer, A., & Richter, T. (2026). Colonial-industrial heritage in Jordan: The case of the As-Safawi H5 pumping station. Levant, 58(1), 111–131.

– هيئة تنظيم الطيران المدني الأردنية، البيانات والوثائق المتعلقة بالمطارات والمهابط والمنشآت الجوية الأردنية.

– Defense Cooperation Agreement Between the Government of the United States of America and the Government of the Hashemite Kingdom of Jordan, signed in Amman, 31 January 2021.

– United States Department of State، النص والوثائق الرسمية المتعلقة باتفاقية التعاون الدفاعي الأردنية–الأمريكية.

– Reuters، التقارير المتعلقة بالتطورات العسكرية والهجمات الإيرانية على القوات والمنشآت المرتبطة بالوجود الأمريكي في الأردن خلال عام 2026.

– Associated Press، التقارير المتعلقة بالتطورات العسكرية والإقليمية المرتبطة بالحرب الأمريكية–الإيرانية.


About Author

Saud Al-Sharafat ,Phd https://orcid.org/0000-0003-3748-9359 Dr. Al-Sharafat is a Brigadier-General (Ret), Jordanian General Intelligence Directorate (GID). Member of the National Policy Council (NPC), Jordan, 2012-2015. The founder and director of the Shorufat Center for Globalization and Terrorism Studies, Amman. His research interests focus on globalization, terrorism, Intelligence Analysis, Securitization, and Jordanian affairs. Among his publications: Haris al-nahir: istoriography al-irhab fi al-Urdunn khelall 1921-2020} {Arabic} {The River Guardian: the historiography of terrorism in Jordan during 1921-2020}, Ministry of Culture, Jordan, www.culture.gov.jo (2021). Jordan, (chapter)in the Handbook of Terrorism in the Middle East, Insurgency and Terrorism Series, Gunaratna, R. (Ed.), World Scientific Publishing, August 2022, 47-63 https://doi.org/10.1142/9789811256882_0003. Chapter” Securitization of the Coronavirus Crisis in Jordan, “Aslam, M.M., & Gunaratna, R. (Eds.). (2022). COVID-19 in South, West, and Southeast Asia: Risk and Response in the Early Phase (1st ed.). Routledge. https://doi.org/10.4324/9781003291909

Comments are closed.