
الأردن: من مكافحة الإرهاب إلى الصمود المعرفي
العميد الدكتور سعود الشَرَفات
توطئة
على مدى القرن الماضي ومنذ تأسيس الأردن 1921م، جرى فهم وتحليل البيئة الأمنية في الأردن من خلال المفردات التقليدية المألوفة للإرهاب، والتطرف العنيف، والتهديدات الحدودية، والجريمة المنظمة، والعنف المادي. وهذه التهديدات لم تختفِ بالطبع، إلا أن البيئة التي تعمل ضمنها قد تغيرت، وكذلك، وبصورة متزايدة، الطريقة التي يمكن للجهات المعادية من خلالها التأثير في الأردن وأمنه الوطني وتماسك هويته الوطنية وسلمه الأهلي.
لا تتمثل الفكرة المركزية في هذا المقال في أن الإرهاب العالمي او الدولي او المحلي قد استُبدل بالحرب المعرفية؛ فذلك تبسيط مخلّ لطبيعة التحول في البيئة الأمنية الأردنية. وأقصد بالحرب المعرفية هنا ليس مجرد التضليل أو نشر الأخبار الكاذبة، وإنما الاستخدام المتعمد والمنسق للمعلومات والسرديات ووسائل التأثير النفسي للتأثير في إدراك الأفراد والمجتمعات للواقع، وإعادة تشكيل مواقفهم وأحكامهم وسلوكهم بما يخدم أهدافًا استراتيجية. وبذلك، فإن جوهر الحرب المعرفية لا يكمن في المعلومات ذاتها، بل في استهداف عملية الإدراك وصنع القرار والسلوك من خلالها.
والوصف الأدق هو التقارب أو التداخل بين التهديدات. فالإرهاب التقليدي، والتطرف العنيف، والتهديدات السيبرانية، والتلاعب بالمعلومات، والضغوط النفسية، وأنشطة التأثير، والعمليات المعرفية، يمكن أن تتعايش بصورة متزايدة ضمن البيئة الاستراتيجية نفسها. فقد يؤدي هجوم مادي إلى خلق فرصة معلوماتية، كما يمكن لحملة معلوماتية أن تضخم الآثار النفسية لهجوم مادي. كما أن البيئة المعلوماتية المستقطبة قد تزيد من قابلية المجتمع للتطرف أو لزعزعة الاستقرار. إن ساحة المعركة، بعبارة أخرى، آخذة في الاتساع. فهي لا تزال مادية، لكنها أصبحت أيضًا معلوماتية ونفسية، وبصورة متزايدة معرفية.
المفارقة الأمنية الأردنية
يمثل الأردن مفارقة أمنية لافتة. فهو يقع في واحدة من أكثر مناطق العالم تعرضًا للنزاعات، ومحاط بدول وأراضٍ شهدت حروبًا وإرهابًا وتمردًا وعنفًا سياسيًا. ومع ذلك، ظل التأثير الفعلي للإرهاب داخل البلاد محدودًا نسبيًا.
يضع مؤشر الإرهاب العالمي 2026 (Global Terrorism Index 2026)، الصادر عن معهد الاقتصاد والسلام، الأردن في المرتبة 44 عالميًا، بدرجة 2.268. ومن المهم أن درجة الأردن تحسنت بمقدار 0.645 نقطة مقارنة بالعام السابق. ويعكس المؤشر تأثير الإرهاب من خلال الحوادث والوفيات والإصابات وحالات الرهائن، مع اعتماد أوزان زمنية على مدى خمس سنوات.
ويقدم مؤشر السلام العالمي 2026 (Global Peace Index 2026) منظورًا إضافيًا؛ إذ جاء الأردن في المرتبة 68 من أصل 163 دولة، بدرجة 1.913، ليحتل المرتبة الخامسة إقليميًا بين الدول التي يشملها التصنيف في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ولا ينبغي تفسير هذه المؤشرات على أن الأردن لا يواجه تهديدات أمنية. بل على العكس تمامًا؛ فهي تُظهر الفرق بين التعرض لبيئة إقليمية شديدة الاضطراب وبين الأثر الفعلي للإرهاب والعنف داخل الدولة.
وهذا التمييز مهم. فالتحدي الأردني أصبح، بصورة متزايدة، أقل ارتباطًا بالسماح للعنف بأن يترسخ داخل البلاد، وأكثر ارتباطًا بمنع التطورات الخارجية من اختراق بيئتها الأمنية الداخلية. وهنا تبرز أهمية الإنذار المبكر.
تضيف نتائج مؤشر الإرهاب في الأردن 2025 (Terrorism Index in Jordan 2025 – TIJ 2025) بُعدًا تحليليًا أردنيًا خاصًا إلى المؤشرات الدولية. ووفقًا للمؤشر، لم يُسجل أي هجوم إرهابي ناجح داخل الأردن خلال عام 2025، على الرغم من اكتشاف وإحباط عدد من المخططات المعقدة قبل تنفيذها.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة لأنها تشير إلى نموذج يقوم على الوقاية أكثر من الاستجابة. فالهجوم الإرهابي الذي لم يقع لا ينتج الأدلة المرئية نفسها التي ينتجها الهجوم الذي وقع بالفعل. وغالبًا ما يُقاس نجاح منظومة الوقاية القائمة على العمل الاستخباري بالأحداث التي لم تتحول إلى عناوين إخبارية أصلًا.
ولهذا السبب، قد تقدم إحصاءات الإرهاب وحدها أحيانًا صورة غير مكتملة عن الأمن الوطني. فانخفاض عدد الهجمات المنفذة لا يعني بالضرورة انخفاض مستوى التهديد الأساسي. وقد يعني، بدلًا من ذلك، ارتفاع القدرة على اكتشاف التهديدات وتعطيلها قبل أن تنضج وتتحول إلى أعمال إرهابية. وتوضح التجربة الأردنية هذا التمييز بصورة خاصة. ومن ثم، فإن السؤال الاستراتيجي لا ينبغي أن يكون فقط: كم عدد الهجمات الإرهابية التي وقعت؟ بل أيضًا: كم عدد التهديدات التي جرى اكتشافها قبل أن تتحول إلى هجمات؟ وهذا، في جوهره، سؤال يتعلق بالإنذار المبكر
لقد بُنيت خبرة الأردن في مكافحة الإرهاب تقليديًا على دقة جمع المعلومات الاستخبارية، واكتشاف التهديدات، والمراقبة، والتعطيل، وإنفاذ القانون، والتنسيق بين المؤسسات. أما المرحلة التالية من هذا التطور فتتمثل في إدراك أن مؤشرات التهديدات الناشئة تظهر بصورة متزايدة خارج المجال الأمني التقليدي. فقد تظهر في السلوك الإلكتروني. وقد تظهر في الخطاب المتطرف. وقد تظهر في السرديات التي تتشكل بسرعة. وقد تظهر في التضليل المنسق. وقد تظهر في محاولات استغلال المظالم الاجتماعية. وقد تظهر في الحوادث السيبرانية التي تستهدف أنظمة حيوية. وقد تظهر كذلك في التضخيم المفاجئ لسردية معينة أثناء أزمة ما. لكن هذا لا يعني أن كل منشور مشبوه على وسائل التواصل الاجتماعي يمثل مؤشرًا أمنيًا. ولا يعني أن كل ادعاء كاذب جزء من حملة عدائية منظمة. فمثل هذه الافتراضات ستكون ضعيفة تحليليًا، وقد تكون خطرة أيضًا. والتحدي هو اكتشاف الأنماط، وليس التعامل مع المعلومات المنفردة.
وتشير الأدلة المتراكمة إلى أن البيئة المعلوماتية أصبحت جزءًا لا يتجزأ من منظومة الأمن الوطني الأردني. ففي يناير/كانون الثاني 2025، أعلنت مديرية الأمن العام الأردنية أن وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية تتابع حسابات وأشخاصًا يحاولون إثارة الفتنة والتحريض على التوترات الاجتماعية وتقويض التماسك الوطني عبر منصات التواصل الاجتماعي، كما أشارت إلى رصد حسابات وهمية خارجية أُنشئت لهذا الغرض. ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد قضية إعلام أو اتصالات، بل باستخدام المعلومات عمدًا لإثارة الانقسامات الاجتماعية، وهو ما يجعلها مرتبطة مباشرة بالتماسك المجتمعي والقدرة على الصمود الوطني.
ويظهر الاتجاه نفسه في المجال السيبراني. فقد أعلن المركز الوطني للأمن السيبراني تسجيل 6,758 حادثة سيبرانية استهدفت الفضاء السيبراني الأردني خلال عام 2024، بزيادة بلغت 175% مقارنة بعام 2023. غير أن المركز أوضح أن هذه الزيادة تعود جزئيًا إلى توسيع نطاق مراقبة الشبكات والأنظمة الحكومية، الأمر الذي مكّن فرق الرصد من اكتشاف 97% من الحوادث المسجلة. ويكتسب هذا التوضيح أهمية منهجية؛ إذ إن تفسير الزيادة على أنها تعكس ارتفاعًا مماثلًا في عدد الهجمات العدائية الناجحة سيكون استنتاجًا مضللًا، لأن جزءًا معتبرًا منها يعكس ببساطة تحسن قدرات الرصد والإنذار المبكر. وهذه ملاحظة ذات دلالة في السياسة الأمنية، إذ قد يؤدي تعزيز قدرات الكشف إلى ارتفاع عدد التهديدات المسجلة، ليس بالضرورة لأن البيئة أصبحت أكثر خطورة، وإنما لأن الدولة أصبحت تمتلك رؤية أوضح وأكثر شمولًا لمجال التهديدات.
ولا تمثل المعلومات في حد ذاتها تهديدًا أمنيًا، وإنما ينشأ التهديد عندما تُستخدم بصورة متعمدة للتأثير في إدراك الأفراد، وتشكيل تصوراتهم، والتلاعب بسلوكهم، أو إضعاف قدرتهم على اتخاذ قرارات عقلانية. ومن هنا تبرز أهمية مفهوم الحرب المعرفية (Cognitive Warfare). فالقيادة المتحالفة للتحول التابعة لحلف الناتو تعرّف الحرب المعرفية بأنها أنشطة تُنفذ بالتنسيق مع أدوات القوة الأخرى بهدف التأثير في المواقف والسلوك من خلال التأثير في الإدراك الفردي والجماعي، أو حمايته أو تعطيله، لتحقيق ميزة استراتيجية. وتكمن أهمية هذا التعريف في أنه يميز الحرب المعرفية عن المفاهيم الأوسع والأقل دقة، مثل “الأخبار الكاذبة” أو الدعاية؛ فليست كل شائعة حربًا معرفية، وليس كل خطاب دعائي عملية معرفية، كما أن الخلافات المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لا تُعد بالضرورة نشاطًا عدائيًا منظمًا للتأثير.
فجوهر الحرب المعرفية لا يتمثل في المعلومات ذاتها، بل في استهداف الإدراك البشري؛ أي الكيفية التي يفهم بها الأفراد الواقع، ويفسرون المعلومات، ويكوّنون أحكامهم، ثم يحددون سلوكهم على أساسها. ولذلك فإن الهدف النهائي للحرب المعرفية لا يقتصر على نشر معلومات مضللة أو إخفاء معلومات صحيحة، بل يمتد إلى إعادة تشكيل الطريقة التي يفكر بها الأفراد والمجتمعات، بما يخدم أهدافًا سياسية أو عسكرية أو استراتيجية طويلة الأمد.
والسؤال الذي يمكن ان يُطرح هو ما أهمية كل ذلك بالنسبة للأردن؟
وهنا نقول – وقد سبق ان أشرت الى ذلك في كل ابحاثي حول الأمن الوطني الأردني – إن الموقع الجيوسياسي للأردن وانخراطه العميق في سيرورة العولمة السياسية تحديداً، يجعل هذه المسألة مهمة بصورة خاصة. فالمملكة تقع عند تقاطع عدد من النزاعات الإقليمية والتنافسات الاستراتيجية. وتتأثر بيئتها الأمنية بالتطورات في سوريا والعراق وفلسطين والمنظومة الإقليمية الأوسع، في حين أن علاقاتها الوثيقة مع الولايات المتحدة وغيرها من الشركاء الدوليين والعرب تجعلها، بحكم الواقع، جزءًا من سرديات جيوسياسية متنافسة. وخلال فترات الأزمات الإقليمية، يمكن تصوير الأردن من خلال سرديات متناقضة جذريًا.
فقد يُقدم بوصفه حليفًا لطرف، أو عدوًا لطرف آخر، أو مشاركًا في صراع، أو طرفًا سلبيًا، أو “وكيلًا” غير راغب في ذلك. لكن مثل هذه السرديات لا تحتاج بالضرورة إلى إقناع الجميع. فقد تنجح حملة تأثير ما حتى لو لم تقنع المجتمع كله، وذلك من خلال خلق حالة من عدم اليقين، وتعميق المظالم القائمة، أو إضعاف الثقة بالمؤسسات الرسمية. ولعل هذه هي الخاصية الأهم للتهديد الناشئ: قد لا يكون الهدف هو الإقناع، بل زعزعة الاستقرار. فالجهة المعادية لا تحتاج بالضرورة إلى جعل السكان يؤمنون بسردية واحدة محددة. وقد يكون كافيًا أن تقنعهم بأن لا رواية يمكن الوثوق بها.
الحرب والتصعيد العسكري والبيئة المعلوماتية
تقدم الحرب والتصعيد العسكري المستمر منذ 28 فبراير/شباط 2026 بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران مثالًا واضحًا على التحول الذي طرأ على طبيعة البيئة الأمنية التي يعمل الأردن داخلها. فالأردن لم يكن طرفًا في قرار بدء الحرب، لكنه وجد نفسه متأثرًا بصورة مباشرة بتداعياتها العسكرية والأمنية، وفي الوقت نفسه داخل بيئة معلوماتية كثيفة التنافس حول طبيعة الحرب وأسبابها ومسؤولية أطرافها ودور الدول الإقليمية فيها. ولذلك فإن التهديد الذي واجهه الأردن خلال هذه الحرب لا يمكن اختزاله في المقذوفات والصواريخ والطائرات المسيّرة وعمليات الاعتراض والأضرار المادية الناتجة عنها، لأن هذه الأحداث العسكرية نفسها أصبحت تنتج في الوقت ذاته تدفقًا متواصلًا من المعلومات والادعاءات والتفسيرات والصور ومقاطع الفيديو والسرديات المتنافسة. وهنا تظهر إحدى السمات الأساسية للبيئة الأمنية الجديدة: أن الحدث العسكري والمعلومة المتعلقة به لم يعودا مجالين منفصلين؛ فالحدث المادي يمكن أن يصبح مادة لعملية تأثير معلوماتي، بينما يمكن للسردية التي تتشكل حول الحدث أن تؤثر بدورها في إدراك الجمهور له، وفي مستوى الخوف والثقة والاستقطاب، وفي تفسيره للموقف الرسمي الأردني.
وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر عندما ننتقل من ملاحظة وجود معلومات مضللة إلى قياس أثرها المحتمل في المجتمع. فقد أفاد مرصد مصداقية الإعلام الأردني «أكيد» خلال أبريل/نيسان 2026 برصد عشرات المواد الزائفة والإشاعات المتعلقة بالأردن خلال فترة قصيرة، مع تسجيل زيادة في متوسط التعرض للإشاعات وظهور دور للحسابات الأجنبية والوهمية. غير أن وجود هذه المواد لا يكفي، بحد ذاته، للقول إن الأردن تعرض لعملية حرب معرفية متكاملة؛ فذلك يتطلب إثبات وجود قصد عدائي، أو تنسيق، أو نمط تأثير، أو محاولة منهجية لتغيير الإدراك أو السلوك. ولذلك ينبغي التعامل مع الإشاعة والمعلومة المضللة باعتبارهما مؤشرين على بيئة معلوماتية معرضة للتأثير، لا باعتبار كل محتوى مضلل دليلًا على عملية معرفية منظمة. وهذا التمييز مهم لأن التوسع في استخدام مفهوم الحرب المعرفية قد يفقده قيمته التحليلية إذا أصبح مرادفًا لكل معلومة كاذبة أو لكل موقف سياسي مخالف.
وتوفر نتائج استطلاع رأي عام أجرته جمعية البحوث والتحليلات العربية Arab Research and Analytics Associates (ARA) «لصالح مؤسسة كونارد اديناور الألمانية Konrad-Adenauer-Stiftung (KAS)، وشمل الأردن إلى جانب ستة مجتمعات عربية أخرى، مؤشرًا مهمًا على طبيعة اتجاهات الرأي العام الأردني خلال الحرب. وجُمعت بيانات الاستطلاع بين 8 مايو/أيار و3 يوليو/تموز 2026، أي في أثناء الحرب والتصعيد العسكري المستمر بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران. وتكتسب نتائج الاستطلاع أهمية خاصة لأنها تكشف أن المواقف الأردنية لا تنقسم ببساطة إلى معسكرين متقابلين مؤيدين لإيران أو للولايات المتحدة وإسرائيل؛ فقد أيد 67% من الأردنيين الهجمات الإيرانية على إسرائيل، في حين رأى 10% فقط أن الولايات المتحدة وإسرائيل كانتا محقتين في مهاجمة إيران، بينما لم تتجاوز النظرة الإيجابية إلى إيران 22%، وأعرب 49% عن قلقهم من برنامجها النووي. كما انخفض تأييد الهجمات الإيرانية إلى 16% فقط عندما تعلق الأمر باستهداف الدول العربية.
لكن لا بد من الإشارة الى انه ومع أهمية هذا الاستطلاع باعتباره أحد المصادر التي تقيس اتجاهات الرأي العام العربي أثناء الحرب والتصعيد العسكري المستمر، ينبغي التعامل مع نتائجه بحذر منهجي شديد، وعدم اعتبارها تمثيلًا نهائيًا أو حاسمًا للموقف الشعبي الأردني، ولا سيما في ضوء محدودية المعلومات المنشورة حول البنية المؤسسية لـ«جمعية البحوث والتحليلات العربية» والمنهجية التفصيلية المتبعة في اختيار العينة الأردنية، فضلًا عن حساسية موضوع الاستطلاع وارتباطه بحرب لا تزال جارية، بما قد يؤثر في مواقف المستجيبين وإجاباتهم. ولذلك، فمن الأفضل التعامل مع نتائجه كمؤشر من مؤشرات اتجاهات الرأي العام، لا كحقيقة مكتملة بذاتها، وقراءتها في ضوء مصادر واستطلاعات مستقلة أخرى كلما توافرت.
المهم في الأمر أن هذه النتائج الإحصائية الموثقة مجتمعة، تشير الى نقطة في غاية الأهمية حسب اعتقادي ألا وهي أن الموقف الأردني أكثر تركيبًا وتعقيداً من مجرد اصطفاف ثنائي مع أحد طرفي الحرب؛ فرفض الهجوم الأمريكي والإسرائيلي على إيران، أو تأييد الرد الإيراني على إسرائيل، لا يعني بالضرورة تأييد إيران كقوة إقليمية أو قبول سياساتها. ومن ثم، فإن البيانات المتاحة تدعم الحديث عن تباين ملحوظ وقابلية للاستقطاب في بعض اتجاهات الرأي العام الأردني، لكنها لا تكفي لإثبات وجود انقسام مجتمعي عامودي حاد إلى كتلتين متماسكتين.
وهذه النتائج تفرض تمييزًا منهجيًا بين الموقف من إيران والموقف من فعل إيراني محدد في سياق الحرب. فقد يستطيع الفرد أن يرفض السياسة الإيرانية أو مشروعها الإقليمي، وأن يكون في الوقت نفسه معارضًا للهجوم الأمريكي والإسرائيلي على إيران، أو أن يرى في الرد الإيراني على إسرائيل فعلًا مشروعًا ضمن سياق الحرب. وبالمثل، فإن معارضة السياسة الأمريكية أو الإسرائيلية لا تعني تلقائيًا تأييد إيران. وتظهر هذه الازدواجية بوضوح في البيانات الأردنية: فإيران تحظى بتأييد إيجابي محدود، بينما تحظى السعودية وتركيا وقطر بتقييمات إيجابية مرتفعة جدًا، بلغت على التوالي 89% و85% و90% في الأردن. كما سمّى 62% من الأردنيين إسرائيل باعتبارها أكبر تهديد لأمن المنطقة، مقابل 18% للولايات المتحدة و12% لإيران. ولذلك سيكون من غير الدقيق علميًا وصف المجتمع الأردني بأنه انقسم خلال الحرب إلى كتلتين متماسكتين، إحداهما مؤيدة لإيران والأخرى مؤيدة للولايات المتحدة وإسرائيل. الأدق أن الحرب كشفت تباينًا واضحًا في المواقف، وبعض قابلية الاستقطاب، ولكنها لم تقدم حتى الآن دليلًا كافيًا على انقسام عامودي حاد إلى معسكرين متماسكين.
وهذه النقطة مهمة بصورة خاصة عند تحليل الحرب المعرفية. فالفاعلون (دول / جماعات / أفراد) الذين يسعون إلى التأثير في مجتمع ما لا يحتاجون بالضرورة إلى خلق انقسام جديد من الصفر؛ إذ يمكنهم استغلال مواقف موجودة أصلًا، ثم تضخيم أحد أبعادها وربطه بسردية سياسية أو استراتيجية محددة. وفي الحالة الأردنية، توجد مجموعة من المواقف القابلة للتداخل: موقف قوي تجاه القضية الفلسطينية، ورفض واسع للسياسات الإسرائيلية، وحساسية تجاه الدور الأمريكي، ورفض في الوقت نفسه لتحويل الأردن إلى ساحة للصراع، ومخاوف من التداعيات الأمنية والاقتصادية للحرب، إضافة إلى تحفظات حقيقية تجاه إيران وسلوكها الإقليمي. إن وجود هذه المواقف المتعددة لا يمثل في ذاته مشكلة أمنية؛ بل قد يكون تعبيرًا طبيعيًا عن تعدد الرأي العام. لكن الخطر يبدأ عندما تُعاد صياغة هذه المواقف في صورة ثنائيات حادة، مثل مع إيران أو ضدها أو مع أمريكا أو ضد الأردن ، أو عندما تُستخدم أحداث عسكرية حقيقية لإنتاج استنتاجات سياسية لا تدعمها الأدلة. عند هذه النقطة يتحول الاختلاف الطبيعي في الرأي إلى مادة يمكن استثمارها في الاستقطاب والتأثير المعرفي.
ويزداد هذا الخطر في أوقات الحرب لأن قدرة الجمهور على التحقق من المعلومات تتراجع أمام سرعة الأحداث. ففي اللحظة نفسها قد يواجه المواطن بيانًا رسميًا، وتغطية تلفزيونية، ومقطع فيديو مجهول المصدر، ومنشورًا على منصة اجتماعية، وصورة معدلة، وادعاءً صادرًا عن طرف في الحرب، ومحتوى مولدًا بالذكاء الاصطناعي. والمشكلة هنا ليست ببساطة أن بعض هذه المواد خاطئ؛ بل أن الجمهور قد لا يمتلك الوقت أو الأدوات الكافية لتحديد أيها صحيح قبل أن يبدأ في تكوين موقف أو اتخاذ سلوك. ومع انتشار الذكاء الاصطناعي التوليدي، أصبح إنتاج محتوى مقنع من نصوص وصور وأصوات وفيديوهات أسرع وأقل تكلفة، وهو ما يزيد قيمة الدقائق والساعات الأولى التي تلي وقوع الحدث. ومن ثم، فإن سرعة التحقق أصبحت جزءًا من القدرة الأمنية؛ لأن تأخر المعلومات الموثوقة يمكن أن يسمح لسردية غير موثوقة بأن تصبح الإطار الأول الذي يفهم الجمهور من خلاله الحدث.
من مكافحة الإرهاب إلى الصمود المعرفي
لا يعني هذا التحول أن الأردن انتقل من مكافحة الإرهاب إلى مواجهة الحرب المعرفية، ولا أن التهديد الإرهابي أصبح ثانويًا. سيكون ذلك استنتاجًا خاطئًا. فالإرهاب والتطرف العنيف، والتهديدات السيبرانية، والتصعيد العسكري الإقليمي، والعمليات المعلوماتية، كلها تهديدات قائمة ويمكن أن تتفاعل فيما بينها. وتكمن المشكلة الاستراتيجية في أن المنظومات الأمنية التقليدية طُورت أساسًا لاكتشاف الفاعل المادي والنية العملياتية والقدرة على تنفيذ الهجوم، بينما تتطلب البيئة الجديدة إضافة طبقة أخرى من التحليل تسأل عن البيئة المعلوماتية التي تسبق الحدث الأمني أو ترافقه أو تتشكل بعده. ومن هنا يصبح مفهوم القدرة على الصمود المعرفي (Cognitive Resilience) مكملًا لمنظومة مكافحة الإرهاب، وليس بديلًا عنها. وتعني القدرة على الصمود المعرفي، في هذا السياق، قدرة الدولة والمجتمع على المحافظة على جودة الإدراك وصنع القرار في ظل التدفق الكثيف للمعلومات المتنافسة، بما في ذلك القدرة على التمييز بين الوقائع والادعاءات، وتصحيح المعلومات الخاطئة بسرعة، وتحمل حالة عدم اليقين دون الانجرار إلى استنتاجات متسرعة، والحفاظ على الثقة بالمؤسسات عندما تكون المعلومات ناقصة أو متضاربة.
ونؤكد بأن هذه القدرة لا تقوم على منع المواطنين من الوصول إلى المعلومات، بل على جعلهم أقل قابلية للتلاعب بها. ولذلك فإن الثقة المؤسسية تصبح عنصرًا أمنيًا مهمًا. ويكتسب ذلك أهمية خاصة في الحالة الأردنية؛ إذ وجد استطلاع كونارد اديناور سابق الذكر أن 82% من الأردنيين أعربوا عن ثقتهم بالحكومة الوطنية بدرجات متفاوتة، و99% بالجيش والشرطة، مع ملاحظة الباحثين أن استمرار الأزمة الإقليمية قد يكون قد عزز بعض مظاهر الالتفاف حول الدولة وهذا يعني أن الثقة ليست موردًا ثابتًا، بل يمكن أن ترتفع أو تنخفض بحسب أداء المؤسسات وطريقة إدارتها للأزمات.
ومن هنا ينبغي أن تتطور منظومة الإنذار المبكر الأردنية من التركيز الحصري على السؤال: من يخطط لتنفيذ هجوم؟ إلى مجموعة أسئلة موازية: ما الذي يتغير في البيئة المعلوماتية المحيطة بالأزمة؟ ومن يحاول التأثير في من؟ وما السرديات التي تكتسب زخمًا غير اعتيادي؟ وما المظالم أو نقاط الضعف التي يجري استغلالها؟ وما السلوك الذي تحاول هذه السرديات إنتاجه؟ ولا ينبغي اعتبار ظهور سردية جديدة، أو نشاط حسابات غير أصيلة، أو ارتفاع مفاجئ في تداول ادعاء معين، دليلًا تلقائيًا على عملية عدائية؛ وإنما ينبغي اعتبار هذه المؤشرات إشارات تستدعي التحليل والتحقق وربطها بالسياق السياسي والأمني والاجتماعي. فالهدف ليس مراقبة الرأي العام أو تصنيف المواقف السياسية، وإنما اكتشاف الانتقال من التعبير الطبيعي عن الرأي إلى محاولة منظمة للتلاعب بالإدراك والسلوك.
وهنا تظهر أهمية عدم الخلط بين الصمود المعرفي والرقابة. فإذا استجابت الدولة للحرب المعرفية بمحاولة التحكم في جميع المعلومات أو الحد من النقد السياسي، فقد تخلق المشكلة التي تسعى إلى منعها، لأن الثقة لا تُبنى بمنع الاختلاف وإنما بقدرة المؤسسات على تقديم معلومات قابلة للتحقق والاعتراف بما هو غير معروف عندما لا تكون الحقائق مكتملة. والمجتمع الأكثر صمودًا ليس المجتمع الذي لا يتعرض لسرديات متنافسة، بل المجتمع الذي يستطيع التعامل معها دون أن يتحول تلقائيًا إلى ضحية للتضليل أو الاستقطاب. ولذلك فإن عناصر الصمود المعرفي ينبغي أن تشمل سرعة الاتصال الرسمي، والشفافية، والتحقق المستقل، والثقافة الإعلامية والرقمية، والتعليم على التفكير النقدي، والتنسيق بين المؤسسات الأمنية والمدنية والإعلامية، مع الحفاظ على مساحة مشروعة للنقد والاختلاف.
اعتقد بان هذه التطورات تؤدي إلى نتيجة أوسع: التحدي الأمني المستقبلي للأردن لن يكون انتقالًا من مجال إلى آخر، وإنما تقاربًا متزايدًا بين المجالات. فقد يبدأ التهديد بحدث عسكري، ثم ينتقل إلى المجال المعلوماتي، ثم يؤثر في الإدراك العام، وقد يؤدي إلى الخوف أو فقدان الثقة، ثم إلى الاستقطاب، وفي ظروف معينة قد يوفر ذلك بيئة أكثر ملاءمة للتعبئة المتطرفة أو السلوك العنيف. لكن هذه السلسلة ليست آلية ولا حتمية، ولا ينبغي افتراض أن كل حادثة عسكرية تؤدي إلى هذه النتائج. الأفضل فهمها باعتبارها شبكة من المخاطر المتفاعلة، تختلف قوة الروابط بينها باختلاف الحدث والسياق والمؤسسات وقدرة المجتمع على الصمود.
ويؤكد الرأي العام الذي ظهر أثناء الحرب – سبق الإشارة اليه – أهمية هذا التمييز. فالمجتمع الأردني لا يبدو منقسمًا ببساطة إلى معسكرين متعارضين، وإنما يحمل مواقف متعددة قد تتقاطع أحيانًا وتتناقض أحيانًا أخرى. وهذا في حد ذاته ليس ضعفًا؛ فالخطر لا يكمن في تعدد المواقف، بل في قدرة فاعلين خارجيين على اختزال هذا التعدد وتحويله إلى استقطاب ثنائي. ولذلك فإن السؤال الأمني الأهم ليس كيف نمنع الأردنيين من تبني موقف معين؟، وإنما كيف نضمن ألا تتحول الاختلافات الطبيعية في الرأي إلى أدوات للتلاعب الاستراتيجي؟ وهذه نقلة مهمة في التفكير الأمني لأنها تنقل التركيز من مضمون الرأي إلى آلية تشكله وانتشاره والسلوك الذي قد ينتج عنه.
جانب آخر مهم جدا في هذ ا الاطار وهو حقيقة أن الأردن يمتلك أساسًا مهمًا للبناء على ذلك. فقد راكم خلال القرن الماضي من عمر الدولة خبرة واسعة في العمل الاستخباري ومكافحة الإرهاب وأمن الحدود وإدارة الأزمات، كما أن مستويات الثقة المرتفعة في المؤسسات الأمنية التي سجلها الاستطلاع أثناء الحرب توفر موردًا مهمًا للصمود الوطني. لكن المحافظة على هذه الميزة تتطلب توسيع مفهوم الأمن ليشمل القدرة على التعامل مع البيئة المعلوماتية باعتبارها جزءًا من البيئة الأمنية نفسها. وهذا يعني دمج تحليل الاستخبارات مع الأمن السيبراني، ورصد المعلومات المضللة، والاتصال الاستراتيجي، وإدارة الأزمات، ومكافحة التطرف، وتحليل البيانات، ضمن منظومة واحدة تستطيع الانتقال من اكتشاف التهديد المادي إلى فهم البيئة التي يمكن أن تضخم آثاره.
وعليه، فإن التطور المطلوب في الأمن الوطني الأردني ليس الانتقال من حماية الأرض إلى حماية الإدراك، لأن حماية الأرض ستظل الوظيفة الأساسية للدولة، وإنما الانتقال من مفهوم أمني يركز على منع الهجوم إلى مفهوم أوسع يهتم أيضًا بمنع تحول آثار الهجوم إلى أزمة ثقة أو استقطاب أو اضطراب اجتماعي. فالتهديد في البيئة الجديدة لا يقاس فقط بما تستطيع جهة معادية تدميره ماديًا، وإنما أيضًا بما تستطيع أن تجعل المجتمع يعتقده أو يخشاه أو يفعله نتيجة لذلك الهجوم. ومن هنا تصبح القدرة على الصمود المعرفي طبقة إضافية من طبقات الأمن الوطني: لا تهدف إلى التحكم فيما يفكر فيه الأردنيون، وإنما إلى ضمان أن تظل قدرتهم على التفكير والحكم واتخاذ القرار أقل قابلية للتلاعب في الظروف التي تكون فيها المعلومات أكثر كثافة، والحقائق أقل اكتمالًا، والضغوط الأمنية والسياسية في أعلى مستوياتها.
وهذا هو جوهر التحول الذي تفرضه الحرب والتصعيد العسكري المستمر بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران على التفكير الأمني الأردني: ليس استبدال مكافحة الإرهاب بالحرب المعرفية، ولا استبدال الأمن المادي بالأمن المعلوماتي، وإنما بناء منظومة أمن وطني قادرة على التعامل مع التهديدات عندما تتقاطع مجالاتها المادية والسيبرانية والمعلوماتية والمعرفية في الوقت نفسه. وفي هذه البيئة، تصبح القدرة على اكتشاف التهديد، والتحقق من المعلومات، والحفاظ على الثقة، واحتواء الاستقطاب، وإدارة عدم اليقين، عناصر مترابطة من مفهوم واحد هو الصمود الوطني.
عن الكاتب
العميد المتقاعد الدكتور سعود الشَرَفات باحث ومحلل أردني متخصص في الإرهاب ومكافحة الإرهاب والمخابرات والأمن الوطني. خدم لأكثر من 28 عامًا في دائرة المخابرات العامة الأردنية، وتقاعد برتبة عميد، وهو مؤسس ومدير مركز شُرفات لدراسات العولمة والإرهاب في عمّان. حاصل على الدكتوراه في العلوم السياسية، وله مؤلفات ودراسات متعددة في الإرهاب والتطرف العنيف والأمن الأردني والتحليل الاستخباري، ونشر تحليلات في مؤسسات بحثية دولية.