الإرهاب في الأردن بين العوامل الخارجية وسيرورة العولمة: قراءة تحليلية في بيئة أمنية معقدة

0

يستند هذا المقال إلى كتاب “حارس النهر: أسطوغرافية الإرهاب في الأردن”، وهو عمل علمي مُحكَّم من تأليف العميد المتقاعد الدكتور سعود الشَرفات، مؤسس ومدير مركز شُرُفات لدراسات وبحوث العولمة والإرهاب في الأردن. وقد صدر الكتاب عام 2021 بدعم من وزارة الثقافة، ويُعد من الدراسات المتخصصة التي تجمع بين التحليل التاريخي والمنهج الكمي في دراسة ظاهرة الإرهاب في السياق الأردني.
يكتسب الإطار التحليلي الذي يقدمه هذا الكتاب أهمية متزايدة في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط. فالمشهد الإقليمي الراهن، بما يتسم به من تصعيد مستمر، وإعادة تشكّل الفاعلين من غير الدول، واستمرار التعبئة الأيديولوجية العابرة للحدود، يعكس بيئة أمنية معقدة تتداخل فيها المستويات المحلية والإقليمية والدولية بشكل غير مسبوق.
ضمن هذا السياق، يطرح الكتاب مقاربة تحليلية مختلفة، تقوم على أن فهم ظاهرة الإرهاب في الأردن لا يمكن اختزاله في العوامل الداخلية فقط، بل يتطلب النظر إليه كنتاج تفاعلي لديناميات إقليمية وعابرة للحدود. هذه الرؤية تمثل تحديًا واضحًا للنماذج التقليدية التي تركز على المتغيرات الداخلية بمعزل عن محيطها الجيوسياسي، وتعيد التأكيد على الطبيعة “العلائقية” للتهديدات الأمنية.
وتعزز المؤشرات الحديثة هذا الطرح. فعلى الرغم من وقوع الأردن في محيط إقليمي مضطرب وقربه من بؤر صراع متعددة، فإنه لا يزال يسجل مستويات منخفضة نسبيًا من النشاط الإرهابي، وفقًا لكل من مؤشر الإرهاب العالمي لعام 2026 (GTI)، وكذلك مؤشر الإرهاب في الأردن (TIJ). هذه المفارقة تطرح دلالة تحليلية مهمة، تتمثل في ضرورة التمييز بين التعرض للتهديد وتحقق العنف داخليًا، وهما مستويان غالبًا ما يتم الخلط بينهما في التحليلات السائدة.
ولا يعني ذلك إغفال العوامل الداخلية، بل إعادة وضعها ضمن إطار تفاعلي أوسع، يأخذ في الاعتبار تأثير الضغوط الخارجية والبيئة الإقليمية. ومن هنا، تتجه المقاربة التي يقدمها الكتاب إلى تجاوز النماذج الساكنة، نحو فهم أكثر ديناميكية يركز على قدرة الدولة على التكيف وبناء المرونة في ظل الانكشاف الجيوسياسي.
غير أن التحليل لا يكتمل دون إدراج بُعد العولمة، الذي يشكل اليوم أحد أهم المحددات البنيوية لظاهرة الإرهاب. فالتسارع الكبير في العولمة التكنولوجية، خصوصًا في المجال الرقمي، أدى إلى تقليص المسافات الزمنية والمكانية، وسهّل انتقال الأفكار والأيديولوجيات والخبرات العملياتية عبر الحدود. هذا الواقع عزز من ظاهرة الامتداد (spillover)، حيث تنتقل الصراعات والسرديات المتطرفة من سياق إلى آخر، وتُعاد إنتاجها بأشكال مختلفة.
في المقابل، لم تقتصر آثار العولمة على تعزيز الترابط، بل رافقها أيضًا نوع من إعادة التشكل الاجتماعي والثقافي داخل المجتمعات. ففي الحالة الأردنية، أسهمت التحولات المرتبطة بالعولمة—خصوصًا في أبعادها الاجتماعية والثقافية—في إحداث تغييرات في أنماط الهوية والانتماء. وقد أفرز هذا التداخل بين الانفتاح العالمي والتوترات المحلية ما يمكن تسميته بـ”جغرافيات الغضب”، وهي فضاءات اجتماعية تتشكل فيها مشاعر التهميش أو الغضب، ويمكن أن تصبح بيئة حاضنة لتعبيرات أيديولوجية عابرة للحدود.
وبهذا المعنى، لا يمكن النظر إلى العولمة بوصفها مجرد سياق خارجي، بل كعامل بنيوي فاعل يعيد تشكيل طبيعة التهديدات الأمنية، ويؤثر في كيفية تفاعل المجتمعات معها. فالحالة الأردنية توضح أن التعرض للتدفقات العالمية—سواء كانت معرفية أو أيديولوجية—يتقاطع مع القدرات الداخلية للدولة، بما ينتج أنماطًا مركبة من الاستجابة لا يمكن تفسيرها من خلال عامل واحد فقط.
وفي سياق متصل، يبرز البعد المعرفي والتاريخي لدراسات الإرهاب كعنصر حاسم في فهم الظاهرة. إذ إن الطريقة التي يتم من خلالها توثيق الأحداث وتصنيفها وتفسيرها تؤثر بشكل مباشر في تشكيل السياسات العامة والقراءات الأكاديمية. ومن هنا، فإن تطوير فهم أكثر دقة للإرهاب لا يتطلب فقط بيانات جديدة، بل يستدعي أيضًا مراجعة نقدية للأطر المفاهيمية المستخدمة في تحليل هذه البيانات.
أما على مستوى المستقبل، فمن المرجح أن تظل ظاهرة الإرهاب في الأردن مرتبطة بالتطورات الإقليمية والدولية. فمع تزايد لامركزية الشبكات المتطرفة، وتعاظم دور الفضاء الرقمي، وتداخل السرديات الأيديولوجية، تتجه بيئة التهديد نحو مزيد من التعقيد والتشظي.
في ضوء ذلك، لا يقتصر التحدي على جمع المعلومات وتحليلها، بل يمتد إلى إعادة التفكير في الأدوات المفاهيمية نفسها. فلم يعد السؤال ما إذا كانت النماذج الحالية كافية، بل ما إذا كانت قادرة أصلًا على مواكبة التحولات المتسارعة في طبيعة الإرهاب.
في المحصلة، تقدم الحالة الأردنية نموذجًا تحليليًا مهمًا لإعادة النظر في كيفية فهم الإرهاب في الدول ذات الانكشاف الجيوسياسي. فهي لا تمثل استثناءً بقدر ما تشكل مدخلًا لفهم أوسع لظاهرة معقدة تتشكل عند تقاطع المحلي بالإقليمي والعالمي.


About Author

Saud Al-Sharafat ,Phd https://orcid.org/0000-0003-3748-9359 Dr. Al-Sharafat is a Brigadier-General (Ret), Jordanian General Intelligence Directorate (GID). Member of the National Policy Council (NPC), Jordan, 2012-2015. The founder and director of the Shorufat Center for Globalization and Terrorism Studies, Amman. His research interests focus on globalization, terrorism, Intelligence Analysis, Securitization, and Jordanian affairs. Among his publications: Haris al-nahir: istoriography al-irhab fi al-Urdunn khelall 1921-2020} {Arabic} {The River Guardian: the historiography of terrorism in Jordan during 1921-2020}, Ministry of Culture, Jordan, www.culture.gov.jo (2021). Jordan, (chapter)in the Handbook of Terrorism in the Middle East, Insurgency and Terrorism Series, Gunaratna, R. (Ed.), World Scientific Publishing, August 2022, 47-63 https://doi.org/10.1142/9789811256882_0003. Chapter” Securitization of the Coronavirus Crisis in Jordan, “Aslam, M.M., & Gunaratna, R. (Eds.). (2022). COVID-19 in South, West, and Southeast Asia: Risk and Response in the Early Phase (1st ed.). Routledge. https://doi.org/10.4324/9781003291909

Comments are closed.