الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب 2026م: هل انتهى الجدل حول العلاقة بين الإخوان المسلمين والإرهاب؟

0

العميد المتقاعد الدكتور سعود الشَرَفات
مؤسس ومدير مركز شُرُفات لدراسات وبحوث العولمة والإرهاب
عمان – الأردن

لا تكمن أهمية الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لمكافحة الإرهاب لعام 2026م في تشديدها على استخدام القوة أو توسيع أدوات الردع فحسب، بل في التحول الفكري العميق الذي تعكسه في فهم الولايات المتحدة لجذور الإرهاب المعاصر ومصادره. فبينما ركزت الاستراتيجيات الأمريكية السابقة على مواجهة التنظيمات الإرهابية المسلحة، مثل القاعدة وتنظيم داعش، تمضي الاستراتيجية الجديدة خطوة أبعد من ذلك عبر إعادة النظر في البيئة الفكرية والتنظيمية التي ترى أنها أسهمت في إنتاج هذه التنظيمات وتغذيتها وتوفير الحواضن اللازمة لاستمرارها عبر العقود.

واللافت في هذه الوثيقة أنها لا تتعامل مع الإرهاب بوصفه مجرد أعمال عنف تنفذها جماعات مسلحة معزولة، بل تنظر إليه باعتباره منظومة متكاملة تشمل الأيديولوجيا والتنظيم والتمويل والشبكات العابرة للحدود. وفي هذا السياق، تبرز الإشارة الصريحة إلى جماعة الإخوان المسلمين باعتبارها الأصل التاريخي والتنظيمي الذي انبثقت منه الحركات الإرهابية الحديثة، وهو ما يمثل تحولاً غير مسبوق في الخطاب الرسمي الأمريكي المتعلق بالإرهاب والجماعات الإسلاموية.

وطوال عقود، ساد في الأوساط السياسية والأكاديمية والأمنية الغربية والأمريكية تمييز واضح بين ما يُعرف بالإسلام السياسي وبين الجماعات الإرهابية المسلحة. وانطلقت سياسات ومقاربات عديدة من فرضية مفادها أن الحركات الإسلامية التي تنشط في المجال السياسي أو الدعوي تختلف جذرياً عن التنظيمات التي تتبنى العنف والإرهاب كوسيلة لتحقيق أهدافها. غير أن الاستراتيجية الجديدة تعكس مراجعة واضحة لهذا الافتراض، وتوحي بأن بعض دوائر صنع القرار الأمريكي باتت ترى أن الفصل بين المجالين ليس دائماً واضحاً أو حاسماً كما كان يُعتقد في السابق.

وتتجاوز أهمية هذا التحول مجرد تصنيف بعض فروع جماعة الإخوان المسلمين في مصر والأردن ولبنان والسودان كمنظمات إرهابية، إلى تبني رؤية استراتيجية أوسع تربط بين البنية الفكرية والتنظيمية للجماعة وبين تطور عدد من التنظيمات الإرهابية التي ظهرت خلال العقود الماضية. ومن المرجح أن ينعكس هذا التوجه مستقبلاً على سياسات العقوبات والتعاون الأمني وتبادل المعلومات الاستخبارية، فضلاً عن إعادة صياغة طبيعة العلاقة الأمريكية مع عدد من الفاعلين السياسيين في الشرق الأوسط.

ولا شك أن هذا التحول سيظل موضع جدل أكاديمي وسياسي واسع. فهناك باحثون وخبراء وأكاديميون سيواصلون الاعتراض على الربط المباشر بين جماعة الإخوان المسلمين والتنظيمات الإرهابية المسلحة، في حين سيرى آخرون أن ما ورد في الاستراتيجية يعكس استنتاجاً توصلت إليه المؤسسات الأمنية الأمريكية بعد عقود من متابعة تطور الحركات الإسلامية الراديكالية وشبكاتها العابرة للحدود، ورصد مسارات التشابك الفكري والتنظيمي بينها وبين التنظيمات الإرهابية.

ومع ذلك، فإن ما يصعب تجاهله هو أن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تمثل نقطة تحول مهمة في أدبيات مكافحة الإرهاب الرسمية. فهي لا تعيد تعريف التهديد الإرهابي فحسب، بل تعيد أيضاً تعريف العلاقة بين الإسلام السياسي والتطرف العنيف من منظور الأمن القومي الأمريكي. ولهذا السبب، قد ينظر المؤرخون والباحثون مستقبلاً إلى استراتيجية عام 2026 باعتبارها لحظة فاصلة في تطور الفكر الأمريكي المتعلق بكيفية مقاربة الإرهاب الاسلاموي، تماماً كما شكلت هجمات الحادي عشر من سبتمبر نقطة تحول تاريخية في مرحلة سابقة.

أعتقد؛ بأنه وبغض النظر عن المواقف المؤيدة أو المعارضة لهذا التوجه، فإن الرسالة الأساسية التي تحملها الاستراتيجية تبدو واضحة: الولايات المتحدة لم تعد تركز فقط على مواجهة التنظيمات الإرهابية القائمة، بل تسعى أيضاً إلى استهداف ما تعتبره الجذور الفكرية والتنظيمية التي أنتجت هذه التنظيمات وأسهمت في تطورها وانتشارها. كما أن الاستراتيجية كسرت حاجزاً ظل قائماً لعقود داخل العديد من الأوساط الأكاديمية والبحثية والسياسية، حيث كان الربط المباشر بين جماعة الإخوان المسلمين والتنظيمات الإرهابية، من القاعدة إلى تنظيم داعش، والفروع والتشكيلات التابعة لهما، موضوعاً بالغ الحساسية ومحاطاً بالتردد والتحفظ والخوف حتى . أما اليوم، فإن هذا الربط لم يعد مجرد فرضية يطرحها بعض الباحثين أو الخبراء، بل أصبح جزءاً من الرؤية الرسمية التي تتبناها الإدارة الأمريكية في مقاربتها الجديدة لمكافحة الإرهاب.

وإذا استمر هذا النهج خلال الإدارات الأمريكية المقبلة، فإن العالم قد يكون أمام إعادة تشكيل شاملة لمفاهيم مكافحة الإرهاب وللسياسات المرتبطة بها على المستويين الإقليمي والدولي، بما يحمله ذلك من تداعيات استراتيجية وسياسية وأمنية ستتجاوز حدود الشرق الأوسط لتطال بنية النظام الدولي نفسه.


About Author

Saud Al-Sharafat ,Phd https://orcid.org/0000-0003-3748-9359 Dr. Al-Sharafat is a Brigadier-General (Ret), Jordanian General Intelligence Directorate (GID). Member of the National Policy Council (NPC), Jordan, 2012-2015. The founder and director of the Shorufat Center for Globalization and Terrorism Studies, Amman. His research interests focus on globalization, terrorism, Intelligence Analysis, Securitization, and Jordanian affairs. Among his publications: Haris al-nahir: istoriography al-irhab fi al-Urdunn khelall 1921-2020} {Arabic} {The River Guardian: the historiography of terrorism in Jordan during 1921-2020}, Ministry of Culture, Jordan, www.culture.gov.jo (2021). Jordan, (chapter)in the Handbook of Terrorism in the Middle East, Insurgency and Terrorism Series, Gunaratna, R. (Ed.), World Scientific Publishing, August 2022, 47-63 https://doi.org/10.1142/9789811256882_0003. Chapter” Securitization of the Coronavirus Crisis in Jordan, “Aslam, M.M., & Gunaratna, R. (Eds.). (2022). COVID-19 in South, West, and Southeast Asia: Risk and Response in the Early Phase (1st ed.). Routledge. https://doi.org/10.4324/9781003291909

Comments are closed.