د. سعود الشرفات*
الإرهاب الذي نقصده هنا، هو ذاك الذي ترتكبه “الأطراف الفاعلة من غير الدول”؛ من خلال الجماعات والمنظمات من مثل “داعش” و”القاعدة” و”بوكو حرام”، كما “الدرب المضيء” و”الذئاب الرمادية” و”نمور التاميل إيلام”… وغيرها. وذلك تميزا لهذا النوع من الإرهاب عن “إرهاب الدولة”، الذي تمارسه بشكلٍ ممنهج، الأطراف الفاعلة من الدول، والمثال الأبرز عليه إسرائيل.
وهناك إجماع تقريباً بين خبراء ومنظّري مكافحة الإرهاب على أن سيرورة العولمة، بآلياتها المختلفة، قد ساهمت بشكل فعّال في زيادة وتيرة وتأثير الإرهاب بشكل عام. لكن تأثيرها الداعم على إرهاب الجماعات والمنظمات كان أعمق وأوسع؛ إذ ساعدتها على المزيد من الانتشار والتجنيد، بما وفرته (العولمة) لها من فرص وإمكانات تجاوزت الحدود الوطنية والزمكان. وهو الأمر الذي جعل من جهود مكافحة الإرهاب؛ الوطنية والدولية، عملية مضنية ومحفوفة بالفشل في الكثير من الأحيان.
ويبرز تنظيم “داعش” في الحقبة الحالية من سيرورة العولمة، باعتباره المثال الأكثر تمثيلا، بامتياز، لظاهرة الإرهاب المعولم. إذ عدا عن صورة التنظيم البشعة التي انتشرت عبر العالم بواسطة آليات العولمة التكنولوجية، لاسيما الإنترنت وضمنها وسائل التواصل الاجتماعي، فقد نجح التنظيم في تجاوز الحدود الوطنية للدول من خلال العمليات الهائلة للتجنيد عبر العالم. وهو يضم، بحسب تقديرات، مقاتلين متحمسين، ذكورا وإناثا، من 80 دولة في العالم اليوم؛ خاصة فرنسا وألمانيا وبريطانيا، كما من دول إسكندنافيا.
ولعله من المثير للدهشة أنه في الوقت الذي تتعرقل فيه سيرورة العولمة وتشهد تباطؤا في آلياتها كافة، خاصة الاقتصادية منها، من خلال الانكماش والنزوع نحو الإقليمية والحمائية الاقتصادية، فإن “الإرهاب المعولم” يأتي ليملأ الفراغ، وليصبح عالمنا اليوم معولما إرهابيا. وبدلا من التعاون الدولي في مكافحة الفقر والتصحر والأمية، والسعي إلى نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان، ينخرط العالم في جهود مضنية وخاسرة لمكافحة الإرهاب المعولم، وعلى رأسه تنظيم “داعش” اليوم.
*مدير مركز شُرُفات لدراسات العولمة والإرهاب
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2015